بمناسبة قرب اليوم العالمي للتوحد كتبت مقال من القلب إلى القلب
اتمنى لكم المتعة والفائدة في قراءته.
*هدنة مع طفلي المصاب باضطراب التوحد
رحلتي من محاولة تغييره… إلى فهمه، ومن القلق عليه… إلى السكينة معه
بقلم: ثريا غازي العماري*
دعوة مفتوحة…
لكل أمٍ تعبت من كثرة المحاولات،
ولكل قلبٍ أنهكه التفكير: كيف أُصلح طفلي؟
دعوة لأن نهدأ قليلًا… لا لنستسلم، بل لنفهم.
⸻
لم أكن أبحث عن هدنة…
كنت أبحث عن تغيير.
كنت أريد لطفلي أن يتحسن بسرعة،
أن يستجيب، أن يهدأ، أن يتكلم،
أن يقترب من الصورة التي رسمتها في داخلي.
كنت أظن أنني بذلك أُحسن إليه…
لكنني—دون أن أشعر—كنت أضغط عليه،
وأستنزف نفسي معه.
حتى وجدتني يومًا أسأل بصدق:
هل مشكلتي في طفلي… أم في فهمي له؟
⸻
طفلي لا يعاندني… أنا فقط تعلمت متأخرًا كيف أراه
كنت أفسر كثيرًا من سلوكياته على أنها عناد،
لكن الحقيقة التي غيّرتني… كانت أبسط وأعمق:
طفلي لا يعاندني…
هو فقط يعبّر بطريقته.
حين يصرخ، هناك شعور لا يستطيع وصفه،
حين يرفض، هناك ضغط لا يحتمله،
حين يكرر، هناك عالم داخلي يحاول أن يثبّت نفسه فيه.
توقفت عن محاكمته…
وبدأت أستمع له، حتى وإن لم يتكلم.
ومن هنا بدأت أول هدنة…
هدنة أنهت صراعًا لم يكن له داعٍ.
⸻
هدنة مع توقعاتي… لا مع طموحي له
أدركت أن أكثر ما كان يرهقني
ليس سلوك طفلي… بل توقعاتي أنا.
توقعاتي أن يكون كغيره،
أن يسير وفق خط مستقيم،
أن أتقدم معه بسرعة ترضي خوفي قبل أن تخدمه.
تعلمت أن أفرّق بين شيئين:
أن أسعى لتطوره… نعم،
لكن دون أن أقارنه… أو أستعجله.
صرت أحتفي بالخطوة الصغيرة،
وأرى الإنجاز حيث لم أكن أراه.
وهنا… بدأ السلام يتسلل إلى قلبي.
⸻
الحب الصادق… حين تحب طفلك كما هو، لا كما تتمنى
أصعب اختبار مرّ عليّ كأم…
أن أتعلم كيف أحب طفلي بلا شروط.
ليس لأنه سهل… بل لأنه مختلف.
ليس لأنه يلبي توقعاتي… بل لأنه هو.
الحب الحقيقي ليس أن أفرح به حين ينجح فقط،
بل أن أحتضنه حين يتعثر،
أن أقبله في هدوئه وفوضاه،
في تقدمه وتراجعه،
في كل حالاته… دون أن أشعره أنه بحاجة لأن يكون شخصًا آخر ليحظى بحبي.
حين أحببته كما هو…
لم يتغير هو فقط،
بل تغيّر إحساسي بالأمومة كلها.
⸻
من السيطرة إلى الاحتواء… حيث يبدأ الأمان
كنت أظن أن دوري أن أضبط، أن أوجّه، أن أسيطر،
لكنني تعلمت أن طفلي لا يحتاج قائدًا صارمًا…
بل يحتاج قلبًا آمنًا.
في لحظات انفعاله،
لا أبحث عن إيقاف السلوك بقدر ما أبحث عن تهدئة شعوره.
حين هدأت أنا… هدأ هو.
حين اقتربت منه… اقترب مني.
الاحتواء لا يلغي التوجيه،
لكنه يجعله إنسانيًا… لا قاسيًا.
⸻
الصبر… ليس خيارًا، بل نعمة تُربّي القلب
هذه الرحلة علّمتني شيئًا عظيمًا:
أن الصبر ليس مجرد تحمّل…
بل اصطفاء من الله.
كل يوم مع طفلي كان تدريبًا على الصبر،
على التريث،
على ضبط الانفعال،
على الإيمان أن الثمرة تأتي… لكن في وقتها.
وتذكرت قول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]
فأي كرمٍ أعظم من هذا؟
وأي رسالة أعمق من أن هذا الطريق—بكل ما فيه—ليس عبثًا… بل أجرٌ ممتد؟
حين نظرت للصبر بهذه العين…
لم يعد عبئًا، بل أصبح طمأنينة.
⸻
هدنة مع نفسي… لأنني أيضًا أحتاج رحمة
وسط كل هذا، نسيت نفسي كثيرًا…
حتى تعلمت أنني إن لم أكن بخير، لن أستطيع أن أكون له سندًا.
توقفت عن جلد ذاتي،
وتعلمت أن أقول:
“أنا أبذل ما أستطيع… وهذا يكفي الآن.”
هذه الجملة…
أنقذتني من استنزافٍ طويل.
⸻
ومضات لك… من قلب التجربة
• طفلك لا يعاندك… بل يحاول أن يُفهِمك بطريقته
• الحب غير المشروط… هو أعظم علاج تقدّمه لطفلك
• لا تنتظر الكمال… احتفل بالتقدم الصغير
• في لحظات الفوضى… كن أنت الأمان
• الصبر ليس تأخيرًا للفرج… بل طريقًا إليه
• ارحم نفسك… فالأم المطمئنة تربي طفلًا أكثر طمأنينة
⸻
هدنتي مع طفلي…
لم تكن نهاية التحديات،
لكنها كانت بداية الفهم،
وبداية السلام… الذي كنت أبحث عنه طويلًا.
ماذا بعد القمّة؟ رحلة الأثر والقيادة . بقلم : صافية سعيد السحوتي . مدرب معتمد من ميجا للتدريب...
أقرأ المزيدرمضان… حين يصبح العمل مرآة لروحك . كل عام، مع دخول شهر رمضان، أسمع السؤال نفسه: هل ستنخفض...
أقرأ المزيدما هي الرشاقة الرقمية؟ د.سهالا ارطيش . المهارة التي تفصل بين القائد والمستخدم في عصر الذكاء...
أقرأ المزيدوعيك سلاحك: أساس السلامة والصحة المهنية . عبارة "وعيك سلاحك" هي أكثر من مجرد شعار؛ إنها الفلسفة...
أقرأ المزيدالقراءة الرقمية.. واقع متطور ! . هناك جمهور من القراء بدأ يتنامى، وهم ما يطلق عليهم آنيا المثقفين...
أقرأ المزيد“غيّر نفسك… تُلهم العالم” . الحياة لوحة من الجمال، تزداد إشراقًا حين نختار أن نراها بعين...
أقرأ المزيد